إشكاليّة الدلالة والتسمية بين “جزّيـن” و”جزّينيّ”

غالباً ما يتخطى الارتباط بين الاسم والمسمّى، التحديد والتعريف، ليَمَسَّ حتى، كيان المسمّى وهويّته. من هنا، نحاول أن نتطرّق الى الإشكاليّة حول تسمية “جزين” و”جزّيني”، ونتناول دلالاتها المختلفة، وأصل اللغة التي أطلقتها.
ترجح مراجع أن تكون التسمية سريانيّة، أطلقها الكنعانيون الأقدمون للدلالة على دور المنطقة. أو أنها عربيّة، أطلقت للدلالة على وظيفة سكانها. وفي كلتا الحالتين تتكامل التسمية ولا تتناقض في المضمون.
فالمحامي سعيد رزق في “تاريخ جزين وأسرها”،( مطبعة العرفان صيدا، ص 47و48 ) ، يَفترض أنها من أصل عربي وتعني ( المجزوءة أو المجزورة). ويستبعد التفسير السرياني ” الكنوز أو بيت الكنوز أو الأسرار والكؤوس”، والتفسير المنسوب الى القديس إيرونيموس بمعنى: “اندفاق الماء والسيل والصخر والوادي”. ويضيف أن تفسير اسم جزين: “جزئين” ” أقرب الى الصواب، لأن مياه نبعها المتدفقة من أعلاها من قلب صخر، تقسمها قسمين وتسير في وسطها الى أن تنحدر متكسّرة في الشلال الشهير…”، وبذلك يكون قد حصر تسمية جزين، جغرافيًا، ببلدة جزين.
وبحسب الدكتور أنيس فريحة، اللفظة سريانية “غَزّين GAZZIN أو جَزّين JAZZIN” تعني: صندوق الكنز ومخزنه. أي: خزائن، مخازن. كما أنه لا يستبعد أن تكون عربية مشتقة من فعل (جزّ) أي قَطَعَ وقَصَّ. والتفسيران عنده يشيران الى التسمية لا على مستوى بلدة جزين فحسب، بل على مستوى منطقة جزين.
وكذلك عند الدكتور الياس القطّار في [ المسرّة، السنة 75، آب – ك1، الأعداد 764- 768 ، ص 382 – 385]. نستنتج من شرح أسماء بلدات منطقة جزين، أن تسمية جزين تشملها كلّها.
وفي رأيي أن ربط التسمية “جزئين” بالمعطى الطبيعي المحدود الموقع ( من النبع الى الشلال)، لا يصحّ. رغم أنه بات مستعملا في وسائل الإعلام. لأننا نكون قد تركنا المعطيات الأهم والأجدى، في التعبير عن معنى التسمية ودلالاتها التاريخية والجغرافيّة عبر العصور.

التسمية والمعطيات التاريخية والجغرافيّة
أوّلا: مقاربات التسمية الشاملة لكل بلدات القضاء عديدة، وتنطبق عليها تسميات الفترة الفنيقيّة قبل تحوّل السكان عن السريانيّة. وهي ذات جذور كنعانيّة وآرامية. بعضها مرتبط بالمعطى الطبيعي وبعضها الآخر بالنتاج البشري:
* المقاربات المرتبطة بالمعطى الطبيعي:
– لم تكن المنتجات والصادرات لمملكة صيدون -العظيمة في حينه- من داخل أسوار المدينة، بل مما كانت تؤمّنه لها أراضي الجوار، ومنها أراضي منطقة جزين. وكان الملاكون الأغنياء يسكنون داخل المدينة، وأصبحت أراضيهم في منطقة جزين، امتدادا طبيعيّا يصل الى تومات جبل نيحا، ومخزنا للمنتجات ولصادرات تجارتها التي عمّت حوض البحر المتوسّط (خمور، صوف، زيت، فاكهة، قمح، وحبوب)، ومخبأ لكنوزهم، خوفا من السارقين والغزاة، (ذهبهم، فضتهم، أسلحتهم)، ومرعى لمواشيهم وقطعانهم. ومصدرا لقمحهم والحبوب، وللأخشاب، لأثاث قصورهم ومعابدهم وسفن بحّارتهم.
بهذا المعنى الشامل لكل بلاد جزين، نفسّر التسمية السريانيّة “جَزّين JAZZIN”: الخزائن والمخازن، صندوق الكنز ومخزنه. كما يمكن اعتبار تسمية فعل (جَزَّ، جَزِّين) ذي الأصل العربي بمعنى جزّازي صوف الغنم وقطع الأشجار والحطب والقمح…

* أما المقاربات المرتبطة بالنتاج البشري ودور البلدات فتَظهَر :
– في توزّع اكتشاف مخابئ للعملة القديمة، والأسلحة، والتماثيل، على أراضي مختلف بلدات قضاء جزين، دلالة على تشابه سلوك مالكيها ازاء مقتنياتهم الثمينة. ( *مروياتها جديرة بوضع دراسة خاصة بها).
– في عادة إدخال الكنعانيين كلمة بيت على تسمية البلدات، دلالة على أنها ما كانت، بعد، أكثر من مزارع بسيطة: جزين = بيت الكنوز. بكاسين = بيت الأهراء ومخازن القمح أو مكان صنع الكؤوس. بتدين اللقش = بيت القضاء والحكم. بحنين = بيت عتيق خرب. بنواتي = الأكواخ. حيداب = العشيرة والجالية. حيطورة = عشيرة الجبل. داريا = مساكن وبيوت ودور. سنيّا = المكان المهجور. وأماكن سكن: كفرحونة = الأخوة الصغار. لبعا = الحريصون.
– في تضمين تسمية معابدهم سلوكية السكان أثناء التجمّع والعبادات في المناسبات الوثنيّة الكبرى: بسري = بيت ساره، أي المكان المحصّن أو هيكل إله القمح والقطاني (سرس) ومعبده. تعيد = مكان العيد. سجد = السجود أو صورة الله. صيدون = مكان إله الصيد. عازور = نسبة الى النبي عزرا. قطراني = دخان ذبائح الأصنام.
– في ارتباط التسميات بصنعة السكان ونوع عملهم، وهي دلالة إضافية على أنها، من وضع الكنعانيين، سكانها آنذاك: بيصور = مكان صنع الفخار. جرمق = الرحى والطاحون. جرنايا = مكان صنع الجرن والهاون. قيتولة = مصايف. ماروس =عاصر العنب والزيتون. مليخ = ملح أو الأرض المالحة. أنان = ضريبة سنوية يؤديها الفلاح شعيرا. كفرفالوس = الذي يقلع الحجارة.
– في مطابقة التسمية السريانيّة للبلدات، بطريقة واضحة، مع واقع جغرافيتها: بصليّا = المكان المنحدر. ريمات = الصخر. زحلتا = الأرض الزاحلة. شبيل = السبيل أي الطريق. شقاديف وروم والمجيدل = المكان العالي المشرف. عين مجدلين = عين البرجين. غبّاطية = المكان الكثيف الشجر. المكنونيّة = الإختباء أو الثبوت.
وتنطبق التسميات السريانية أيضا، على أحياء في البلدات: المرمغينة = مرمى الأغنياء أي مقابرهم. الشاوية = المكان المشرف.

ثانيًا: المقاربات السريانية التي تفيد بمعنى بلدة جزين.
تنطبق عليها تسميات الفترة الفينيقيّة قبل تحوّل سكان المنطقة عن الوثنيّة وبعده، إذ استمرّت أدوار مدينة صيدا وبلدات منطقة جزين، كما كانت، لوفرة مقوّمات الإستقرار: الصخر مصدر بناء البيوت والجلول، الماء والاندفاق والمجاري الشلالة، مُسهِّلة: تمركز السكن بجوارها، وريّ المزروعات، واستعمال المطاحن ومعاصر العنب والزيتون… هذه المقومات الحياتية المتوافرة في بلدة جزين بشكل أوضح من غيرها، ربما كانت السبب الذي جعل تفسير القديس إيرونيموس، أقرب الى معنى “بلدة جزين” منه الى معنى “بلاد جزين”. وتقَبَّلها الناس، من باب تسمية الجزء باسم الكلّ.

وهكذا، متى استندنا الى المعطيات التاريخية والجغرافيّة عبر العصور، وتفحّصنا دلالاتها، كما عند القدّيس إيرونيموس الذي استعملها، وقد عاش بين 347 و420م، نستنتج أنها كانت مستعملة في عهد الكنعانيين. ومن كون الأدريسي (1100- 1165م)، ما استعمل التسمية بمعنى البلدة بل عرّفها بأنها أحد أقاليم صيدا الأربعة، نرجح رأي الدكتور فريحة، ونضيف أنها أقدم من وصول السكان الحاليين الى بلاد جزين، وأنها تشمل منطقة، وليس بلدة فحسب، ولا علاقة لموقع النبع ومجرى النهر بالتسمية. وهكذا، فكل سكان بلدات هذا القضاء جزّينيون، ويمكن أن يعرّف كل واحد منهم عن نفسه بأنه جزّيني من بلدة …

By admin