سليمان بك كنعان مدرسة في العصامية والوطنية
رفض الانتداب ونفي مرتين وظل قبلة أنظار السياسيين

إنّ ارتقاء المعالي عمليّة شاقّة، دونها عقبات كثيرة لتحقيقها، وقد تورد صاحبها مورد التهلكة، لأنّ الطريق الى بلوغ القمّة
صعب. والمغامرة تقتضي الحذر والتنبّه للسقطات القاتلة، والمجازفة تتطلّب إرادة قوّية ثابتة لتمهيد هذا الطريق الصعب.
والتغلّب على المصاعب والعثرات، يلزمه العمل بتؤدة وتأنٍّ. وكلّما كانت إرادة الحياة قوّية هان الوصول الى الهدف بشكل مؤكد لا لُبسَ فيه. فما أجمل النجاح في الحياة.
سليمان كنعان مثال صارخ لهذا النوع من الرجال الأقوياء الذين قارعوا المصاعب والأهوال طوال حياتهم، ومن الأسماء المكتوبة بأحرف من ذهب في سجل تاريخ لبنان. وهؤلاء عملوا بقول الشاعر:
ومن يتهيّب صعود الجبال يَعِشْ أبدَ الدّهرِ بين الحُفر

بين التعليم والقانون
سليمان كنعان جزّيني يتحّدر من أسرة لبنانية عريقة، أصولها وجذورها شمالية من بلد الأرز الصامد الشاهد والمطلّ على وادي قنوّبين، “الوادي المقدّس”. شمال القوّة والعنفوان، والأدب والثقافة، مسقط رأس يوسف بك كرم، وجبران خليل جبران.
أبصر النور عام 1856، والده كنعان شعيا القطار، والدته فهدة صالح رزق. عمل والده في الزراعة كسائر أبناء البلدة والقضاء.
تلقّى دروسه الأولى في مدرسة الكريم-غوسطا، لمدّة ثلاث سنوات، عاد بعدها ليكمل دراسته في مدرسة مار يوسف التي أسّسها قريبه الخوري يوحنا رزق، والذي أصبح المطران يوسف رزق. وبعدما أنهى دروسه مارس التعليم لبضع سنوات.
توّسم فيه خاله المحامي يوسف صالح رزق، الخير وحدّة الذكاء، وشجّعه على ترك التعليم، فعلّمه أصول القانون والحقّين المدني والجزائي، فبرع براعة مدهشة، وشرع يمارس هذه المهنة في محكمة جزين، وهي محكمة بداية مركزها صيفاً جزين، وشتاء بلدة الهلالية قرب صيدا. وصار المحامي سليمان يدافع عن مصالح أبناء بلدته والقرى المجاورة، وكثيراً ما كان يعمل في فضّ النزاعات بينهم قبل تقديم الشكاوى حبيّاً وبالتراضي.

في الثلاثين من عمره، اقترن سليمان كنعان بحبّوبة بولس نعمة، التي قتل والدها في الأحداث الدامية التي اجتاحت الجبل عام 1860، أمّا والدتها كتّورا البستاني، فتزوّجت ثانية من سليم شديد المعوشي، وأسّسا معاً عائلة مؤلّفة من أربعة فتيان: مارون، سامي، يوسف وبولس، وثلاث بنات : أديل، زكية ولمياء.
وتمكن سليمان بفضل ذكائه، من جمع ثروة طائلة، خولته بلوغ أهدافه السياسية والاجتماعية، فأورث أبناءه والأحفاد مكانة مادّية ومعنوية، وهي مستمّرة حتّى عصرنا هذا …وشقّ طريقه صُعداً في عالم التقدّم والرّقي.

صديق العائلات
بعد أحداث 1860 الدامية تغيّرت الخريطة الجيوسياسية، فتدّخلت الدول الأوروبية وأقرّت عام 1861 القانون الأساسي الجديد، والمعروف بنظام المتصرفية.
أمّا ضمان هذا النظام فقد كفلته فرنسا وانكلترا وروسيا والنمسا وبروسيا، ولاحقاً ايطاليا بعد توحيدها، والدولة العثمانية الراعية.
أقام سليمان كنعان (أبو مارون) علاقات اجتماعية مع أبناء بلدته وسائر قرى القضاء وبلداته. ووطّد علاقاته مع أهالي الشوف وجبل عامل والجنوب، وأقام صداقة مع هذه العائلات ومنها: جنبلاط، الأسعد، الخليل، وعسيران. وفي صيدا: الصلح (رضا ورياض)، البزري، الجوهري والزعتري.
وامتدّت هذه العلاقات الى مجمل المناطق اللبنانية بحيث شملت عائلات بيروتية وشمالية وبقاعية.

تمكّن سليمان كنعان من نسج علاقة صداقة وحسن جوار مع علي نجيب جنبلاط صاحب الأملاك في جزين وقضائها، الذي يقيم في الهلالية، وأصبح بعد فترة وكيل علي جنبلاط، وتولّى تدبير شؤون هذه الأملاك الشاسعة. ثمّ تعرّف الى ثري جنبلاطي آخر هو نسيب باشا جنبلاط وصاحب أملاك شاسعة أيضّاً في القضاء.
كان المزارعون في جزين وقضائها يعملون شراكة في زراعة الأراضي، فيحصلون على نصيب قليل من الغلال، وقد تكون القسمة مثالثة أو مرابعة. وكثيراً ما تحصل صدامات بين وكلاء آل جنبلاط وشركائهم.
عمد سليمان كنعان بفضل حنكته وحكمته الى شراء الأراضي من أصحابها، وكان هذا هاجسه الأوحد، فبعد مساومات مع أصحاب الأملاك وإقناعهم، تمّ الاتفاق على مبلغ كبير من المال، ولكن من أين هذا المال؟
قصد سليمان كنعان البطريرك الياس الحويك للحصول على المبلغ، وأقنعه بضرورة تأمين المال، ونقل اليه استعداد المزارعين للدفع بالتقسيط. وهكذا حصلت عملية تحرير أراضٍ بقيمة المبلغ المقبوض، 16 الف ليرة ذهبية عثمانية.

دور وطني وسياسي
كان الموارنة على علاقة جيدة مع قناصل فرنسا، لذلك دأب سليمان كنعان على تمتين العلاقة هذه مع قنصلي بيروت وصيدا، فكان يزورهما من وقت الى آخر، ويدعوهما الى بلدته جزين، ويقيم لهما الولائم الفاخرة، وقد ساعده في ذلك إتقانه اللغة الفرنسية قولاً وكتابة.
ولم يغفل الدور الذي كان يؤديه المتصرّف العثماني. ومنذ ولاية واصا باشا، وحتّى المتصرّف أوهانس باشا كانت العلاقة تقوم على الدور الوطني الذي كان يضطلع به كنعان من أجل مصلحة الوطن العليا والمواطنين. فبعد إنجازات كبيرة على صعيد القضاء والوطن بشكل عام، تمكّن عام 1909 من دخول مجلس الإدارة في عهد المتصرّف يوسف باشا فرنكو الحلبي، وأصبح بفضل دهائه السياسي من أهمّ أعضائه، وكانت تسند اليه المهّمات الصعبة، ومنها حلّ المشاكل مهما كانت مستعصية.

النفي الأوّل
انقسمت الدول الراعية للقانون الأساسي بسبب اندلاع الحرب العالمية الأولى في صيف 1914، ودخول تركيا الحرب الى جانب ألمانيا والنمسا ضدّ الحلفاء فرنسا بريطانيا وروسيا. فتمّ إثر ذلك تعيين جمال باشا (السفاح) قائداً للفيلق الرابع، فدخل الجيش التركي الى الجبل، وألغى الامتيازات .
وكان الفريق جمال باشا أنشأ محكمة عسكرية عرفية مركزها عاليه، فقضت على الحريات العامّة وأنزلت عقوبة الاعدام بحق مجموعة الأحرار من لبنان وسوريا في عامي 1915- 1916. أمّا سليمان كنعان فكان نصيبه السجن والمحاكمة، ثم النفي مع أفراد عائلته الى برّ الأناضول، إضافة الى شخصيات وطنية أخرى، وكانت العودة بعد انهيار الدولة العثمانية.

وضعت الحرب أوزارها ونسّم هواء لبنان بالحرية، وانتصر الحلفاء على ألمانيا، والنمسا وتركيا عام 1918. وبدأت عملية تقسيم تركة الرجل المريض. وإثر وقوع الحرب عمدت بريطانيا وفرنسا الى توقيع معاهدة سايكس- بيكو المشؤومة. وجاء دور التطبيق القاضي بوضع فلسطين، وشرق الأردنّ، والعراق تحت الانتداب الإنكليزي، أمّا لبنان وسوريا فكان نصيبهما الانتداب الفرنسي.
النفي الثاني
رفض الأحرار الانتداب في لبنان، فاجتمع مجلس الإدارة، وأصدر قراراً من خمسة بنود: استقلال لبنان التام المطلق، حياد لبنان السياسي، فلا يُحَارِب ولا يُحَارَب، إعادة الأقضية المسلوخة عنه سابقاً، الوضع الاقتصادي يجري درسه بين اللبنانيين والسوريين، يتعاون الفريقان اللبناني والسوري للتصديق على البنود الأربعة.
كانت علاقة سليمان كنعان بفرنسا في بادئ الأمر جيدة، ثم أصبحت على طرفي نقيض، فمن المودّة والصداقة، الى الخصومة وشدّة العداء، بعدما وضعت دولة الانتداب يدها على لبنان.
اعتقلت السلطات الفرنسية غالبية أعضاء هذا المجلس، وصدر قرار بنفيهم الى جزيرة كورسيكا. وقد رفض سليمان كنعان واثنان من رفاقه التوقيع على طلب اعتذار من الدولة الفرنسية، فيما قبل الآخرون بالعفو وعادوا.
ترك سليمان كنعان باريس الى سويسرا (عصبة الأمم) ثم الى أميركا، ولمّا فشل عاد أدراجه الى سويسرا، ثم ايطاليا، وعرّج على الفاتيكان برفقة رياض الصلح لنقل وجهة النظر اللبنانية.

العودة الى الوطن
نال عفواً غير مشروط من الحكومة الفرنسية بعد غياب استمرّ أربع سنوات، ليعود الى ممارسة حقوقه المدنية والسياسية في وطنه. استقبل استقبالا حاشداً في منطقته يليق بمكانته، وظل محطّ أنظار أهل السياسة، يسترشدون برأيه السديد في المُلّمات الوطنية أثناء فترتي الاحتلال والانتداب.

أصيب بداء السكري الذي نال منه، فرحل في 25 تشرين الثاني 1932، وبعد يومين احتفل بالصلاة عن نفسه في كنيسة مار مارون- جزين، في حضور رسميين وسياسيين ووفود شعبية بكته، وقالت فيه مراثي تليق به.
وبرحيل سليمان كنعان طويت صفحة مشرقة من تاريخ لبنان الحديث، فانضمّ الى زملاء وأصدقاء وأقرباء نذروا حياتهم للدفاع عن لبنان، ووضع هذه الأمانة في أيدٍ أمينة من أبناء وأحفاد لإكمال المسيرة الوطنية مهما بلغت التضحيات.
كان عادلا في حياته ومماته، فترك لعائلته ثروة كبيرة وإرثا وطنيا: استحق بكره مارون لقب الزعيم المحبوب، واشتهر سامي بالحنكة والدهاء، ويوسف بالحكمة والقلب الكبير، أمّا بولس فعرف بالإقدام والشجاعة.
ويردّد أهالي البلدة في الراحل : كنعان سجلّوا التاريخ ربّ الزعامة وسيدها
إعداد ميشال يوسف خالد

By admin