فريد سرحال عاد الى جزين بعد ثلاث وعشرين سنة… !
رلى خالد
فريد سرحال سليل عائلة جزينية ووطنية عريقة،شقيق لأربعة أخوة وعدّة شقيقات، والده سليمان سرحال، والدته إبنة سليمان بك كنعان.
ولد عام 1923، تزوّج من ليلي خوري وأنجبا ثلاثة أولاد وأبنتان، النائب الدكتور بيارو سرحال – جراحة عامة، والدكتور بول سرحال طبيب عقم ومسؤول مركز العقم في لندن، والدكتور كميل سرحال المتخصص في جراحة القلب والشرايين والجراحة العامة، ويولا زوجة الدكتور جو شاهين ، وبولا زوجة المحامي يوسف الدويهي.
درس في مدرسة الأخوة المريميين في صيدا وأكمل دراساته العليا في جامعة القديس يوسف – بيروت، حيث تخرّج طبيباً في الجراحة العامة ،وبعدها تخصّص في باريس فنال شهادة بروفسور في الغدّة الدراقية .
عمل في حقل الطب في مستشفاه وشقيقه الدكتور فيليب قرب الطبيّة على المتحف، ويسجّل له أنه أجرى حوالي 50 الف عملية جراحية.
كان يدرّس الطب في الجامعة اليسوعية، أحبّ السياسة لأن خاله مارون بك كنعان كان نائباً عن جزين لعدّة دورات وجدّه سليمان كان عضو مجلس الإدارة أيام الإنتداب،ونُفي الى تركيا والى فرنسا وله الفضل الأكبر في استقلال لبنان لاحقاً .
أحبّ جزين بكل معنى الكلمة وكان يتذكر أيام الصبا عند مصيفه في جزين قرب سيّدة النبع التي كان متعبدا لها. كان يهوى الصيد فيقصد الكروم لإصطياد العصافير والبقاء لمدة طويلة في رحاب الطبيعة .
عمل على تشييد منزل صيفي في كرومه ما لبث أن توسّع الى مشروع ضخم بعد سفره الى إسبانيا وتركيا وإيران وسوريا فتعرّف الى حضارات الشرق والغرب ورسم خطة لبناء قصر أثري سيحوّله في المستقبل الى متحف ومركز للمهرجانات السياحية لكن الموت عاجله فلم ينجز حلمه ولا يزال قصر سرحال حتى اليوم شاهداً على حلمه !
عام 1972 خاض الإنتخابات النيابية بلائحة مؤلفة منه والمحامي إدمون رزق والمهندس نديم سالم، فنجحت اللائحة بكاملها، وأصبح نائباً عن منطقة جزين حتى العام 1992 مع التمديد للمجلس النيابي.
عام 1973 أقام المهرجان الأوّل للمغتربين في جزين ودعا اليه شخصيات البلد من رؤساء جمهوريات ونواب وسفراء …الخ.
عام 1975 وتزامناً مع انطلاق شرارة الحرب الأهلية تحوّل اهتمامه كلياً الى جزين وقضائها حيث عانت المنطقة من اجتياحات وحروب وتهجير، فبقي فيها يُطبّب الجرحى والمصابين ويجري العمليات الجراحية على أنواعها وسط نقص فاضح في المعدات الطبية والأدوية وخصوصا البنج المخدّر، فأنقذ حياة المئات من أبناء المنطقة !
وبالرغم من صعوبة التنقل من جزين الى بيروت وانقطاع الطرق بفعل الأحداث عمل مع الأشقاء الدروز على اتباع طريق خاص للوصول الى بيروت عبر الشوف في موكب خاص يتقدّمه شخصياً بسيارته ليومين في الأسبوع لتسهيل التواصل بين أهالي المنطقة وأهلهم في بيروت .
ولم تكن هذه الوسيلة الوحيدة التي لجأ اليها لتأمين هذا التواصل، بل سهّل انتقال الأهالي في البحر عبر باخرة نقل من مرفأ الجية قرب صيدا الى مرفأ بيروت .
عزّ عليه ما حلّ بالبلاد من خراب ودمار وفي منطقة جزين خصوصاً حيث انقطع الاتصال لفترة محدودة بين قضاء جزين والأقضية المجاورة، فعمل بكل طاقاته مع فعاليات جزين لتهدئة الأوضاع الأمنية تثبيتاً للأهالي في أرضهم وإبعاداً لشبح التهجير .
وفي عزّ الوصاية السورية على لبنان وتحديداً بين عامي 1989 و1990 رفض الإذعان لإملاءات الأمر الواقع فاحتجز أثناء عودته الى جزين مع زوجته في أوتيل البريستول ووضع في الإقامة الجبرية بإيعاز من السوريين لمدة شهر كامل، دون أن يتراجع عن مواقفه، ويعود الفضل في إطلاق سراحه الى الرئيس الأسبق سليمان فرنجية !
وبعد أن استوت البلاد وجرى تطبيق إتفاق الطائف جرت انتخابات نيابية على أساس المحافظات، فعُرض عليه المقعد الماروني في جزين لكن بعض التهديدات منعته من الترشح.
هذه الأسباب وغيرها أدت الى تراجع صحته لكنه ظل بالرغم من ذلك متواجداً في جزين التي كانت ترزح تحت الإحتلال الإسرائيلي، حتى اليوم الذي وافته فيه المنيّة في 1 شباط 1995 حيث أشرف صباحاً على الأعمال اليومية في القصر وأمضى باقي نهاره يطبب المرضى في عيادته، وفجر الثلاثاء وبعد عودته الى منزله في بيروت توقف قلبه عن الخفقان!
كان إسم النائب والطبيب فريد سرحال مطروحاً لرئاسة الجمهورية اللبنانية لكن مواقفه الصلبة حالت دون وصوله اليها في ظل الهيمنة السورية على لبنان ورفضه الإذعان للشروط المطروحة .
فريد سرحال قامة وطنية كبيرة عمل طوال حياته من أجل ترسيخ العيش المشترك المسيحي – الإسلامي، وكان نطاسياً بارعا ووطنيا صلباً لا يهادن ولا يحيد قيد أنملة عن قناعاته الوطنية مهما كلفه الأمر من تضحيات.
عاد فريد سرحال الى جزين في 6 آب 2018 وبعد ثلاث وعشرين سنة بهدوء ودون أيّ تكريم رسمي لأن الكبار لا يحتاجون الى شهادة من أحد فتاريخهم وإنجازاتهم تتحدث عنهم. وثُبّت تمثال له في قطعة أرض خاصة بالعائلة عند مدخل جزين الغربي، ليُخلّد هذا النصب حقبة تاريخية مميزة بالوطنية وصلابة المواقف ونظافة الكف والعمل الدؤوب لأجل قيامة جزين ولبنان نحو الأفضل، علّه يكون مثالا يحتذى به في زمن قلّ فيه الرجال وسادته الإنهيارات والإنحلالات على انواعها .

By admin